ساسي سالم الحاج
173
نقد الخطاب الاستشراقي
باعتبارها أوامر إلهية لا يجوز معصيتها أو الخروج عنها . وهكذا فإن دور الرسول كان عظيما في هذه المرحلة حتى قبل أن تتبلور الأمة الإسلامية على هيئة دولة . ثم إن المستشرقين لم يدركوا أن الدولة الإسلامية الناشئة لم تكن تتمتع بمقوّمات الدول الحديثة التي يحاولون مقابلتها بدولة الرسول . لأن مفهوم الدولة الإسلامية يختلف عن مفاهيم الدول الحديثة إلى يومنا هذا حالة كونها تجمع بين الدين والدولة في آن واحد ، بينما تفرق الدول الحديثة بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية . ثم إن ما ذهب إليه المستشرقون من بيان ضعف الرسول عندما لم يستطع الاقتصاص من ابن أبي ابن سلول عندما تعرّض مباشرة لسمعة زوجته عائشة لم يكن صحيحا . فالرسول لم يكن متأكدا من أن ابن أبي هو مصدر الإشاعة وناشرها . وخطبته بهذه المناسبة تدل على ذلك فقد قال : « أيها الناس ، ما بال رجال يؤذونني في أهلي . ويقولون عليهم غير الحق ، واللّه ما علمت منهم إلا خيرا ، ويقولون ذلك لرجل واللّه ما علمت منه إلا خيرا ، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي » « 1 » . وهكذا جاءت هذه الخطبة دون تحديد أسماء المرجفين بحديث الإفك . وأنه عندما ثبت القذف على حسّان بن ثابت ومسطح جلدا حدّا ، ونحن نعلم مكانة حسان لدى الرسول وتسخيره شعره للدعوة الإسلامية . ولم تذكر الروايات الإسلامية ابن أبي من ضمن القائلين بحديث الإفك ، وأكّد ابن إسحاق أن « الذي تولّى كبره منهم » هو حسّان بن ثابت وأصحابه « 2 » . وقال ابن هشام بعدئذ : ويقال كذلك عبد اللّه بن أبي وأصحابه . وعبارة « يقال » هي للتشكيك في صحة الرواية لا لتأكيدها ونحن نستبعد أن يعاقب الرسول شاعره وهو ذو المكانة الرفيعة أيضا بين قومه ويعطل حدود اللّه ضد ابن أبي مهما كانت مكانته بين قومه . أما ما ذهب إليه المستشرقون من أن ضعف الرسول في الفترة الأولى من إقامته في المدينة قد تجلّى في عدم مغامرته سفك دماء بني قريظة وترك تقرير العقوبة إلى زعيم القبيلة التي كانت قريظة حليفة لها . فإنه غير صحيح . لأن من سياسة الرسول والإسلام الأساسية اتخاذ جميع القرارات خاصة المصيرية منها بالتشاور مع أصحابه . ومبدأ الشورى من أهم المبادئ الإسلامية التي جاء بها لتنظيم شؤون الدولة السياسية والاجتماعية . ويضاف إلى ذلك أن قيام الرسول بإناطة مهمة الحكم على بني قريظة
--> ( 1 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 300 . ( 2 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 303 .